حسن حنفي
360
من العقيدة إلى الثورة
النظرية مثل معرفة الله بها مشقة الفكر ومعاناة النظر وجهد القريحة كما أن الخير بطبعه الّذي يطيع طبقا لطبيعته يستحق الثواب ، ثواب الطبيعة وازدهارها وكمالها والحرص على استقامتها . فالطبيعة حرة ، والحرية ادراك وجهد . وليس التكليف بالافعال الشاقة من النعم العظيمة فحسب بل أيضا لأجل الإثابة عليها استحقاقا ليحيا من حيا عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، فالانسان لم يكلف عبثا ، وحياته امتحان واختبار له بفعله وجهده . أن جهد الفعل يؤدى إلى تقوية الذات وتحقيق امكانياتها بفعل الانسان فهو خلق أفعال ، وابداع وجود يثاب عليه « 47 » .
--> ( 47 ) إذا كلفنا الافعال الشاقة فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله . بل لا يكفى هذا القدر حتى يبلغ من الكثرة حدا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به ، والا كان لا يحسن التكليف لأجله . ان هذا هكذا لأنه لو لم يكن في مقابلة هذه الأفعال الشاقة ما ذكرناه كان يكون القديم ظالما عابثا . فان قيل : هلا كفى أن يستحق المكلف في مقابله هذه الأفعال الشاقة المدح ؟ قيل : لا ، لان المدح لا يقع به الاعتداد متى تجرد عن نفع يتبعه . وأيضا فان المدح لا يستحق من الله على الخصوص بل القديم وغير القديم سواء في استحقاق المدح من جهته ، وما يستحق في مقابلة التكليف فلا بد من أن يكون من فعل الله . ومتى قالوا : هلا كفى المدح من جهة الله ؟ قلنا : لا يقع الاعتداد به أيضا . فان قيل : ومعلوم أن أحدنا يبذل جهده حتى يحمد السلطان أمره ويمدحه ولا يبالي بما يتحمله من المشاق في ذلك . قيل له : انما يرغب في ذلك لما يرجوه في الجاه والحشمة حتى ولو تجرد المدح فإنه لا يرضى به ولا يختاره . فان قيل : أوليس العرب بذلوا مهجهم وأموالهم طلبا للمدح والذكر حتى عدوا الذكر عمرا ثانيا ؟ قلنا لهم : ان ذلك أحد مجالاتهم التي يوصفون بها . وعلى كل حال فلا بد أن يكونوا اعتقدوا في ذلك نفعا يزيد على ما يلحقهم من المشاق . . . وبعد ، فلو لم يكن في هذه الأفعال مشقة وكنا نأتى بالواجبات ونتجنب القبائح لاستحققنا المدح ، وإذا اعتراك في الواحد منا شك فلا شبهة من أنه تعالى يستحق المدح على فعل الواجب وترك القبيح . وان كان لا تلحقه مشقة فلا بد إذا من أن يكون بإزاء المشقة ما يقابلها وهو الثواب . وبعد ، فان المدح مما يمكن ايصاله إلى مستحقه من دون الإعادة فكان لا يثبت للاحياء بعد الإماتة وجه . وفي علمنا بأنه تعالى يعيد الاحياء بعد الإماتة قطعا دليل على أنه لا بد من استحقاق الثواب الّذي لا يمكن ايصاله إليهم الا بالإعادة ، فان قيل : كيف يصح قولكم أن الثواب انما يستحق